صفي الرحمان مباركفوري

307

الرحيق المختوم

4 - سرية كرز بن جابر الفهري « 1 » إلى العرنيين ، في شوال سنة 6 ه وذلك أن رهطا من عكل وعرينة أظهروا الإسلام ، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها ، فبعثهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذود في المرعى ، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلما صحوا قتلوا راعي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واستاقوا الإبل وكفروا بعد إسلامهم ، فبعث في طلبهم كرزا الفهري في عشرين من الصحابة ، ودعا على العرنيين : « اللهم أعم عليهم الطريق ، واجعلها عليهم أضيق من مسك ، فعمى اللّه عليهم السبيل » ، فأدركوا ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، جزاء وقصاصا بما فعلوا ، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا « 2 » وحديثهم في الصحيح عن أنس « 3 » . ويذكر أهل السير بعد ذلك سرية عمرو بن أمية الضمري مع سلمة بن أبي سلمة ، في شوال سنة 6 ه ، أنه ذهب إلى مكة لاغتيال أبي سفيان ، لأن أبا سفيان كان أرسل أعرابيا لاغتيال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، بيد أن المبعوثين لم ينجحا في الاغتيال ، لا هذا ، ولا ذاك ، ويذكرون أن عمرا قتل في الطريق ثلاثة رجال ، ويقولون إن عمرا أخذ جثة الشهيد خبيب في هذا السفر ، والمعروف أن خبيبا استشهد بعد الرجيع بأيام أو أشهر ، ووقعة الرجيع كانت في صفر سنة 4 ه ، فلا أدري هل اختلط السفران على أهل السير ، أو كان الأمران في سفر واحد في السنة الرابعة ، وقد أنكر العلامة المنصور فوري أن تكون هذه السرية سرية حرب أو مناوشة . واللّه أعلم . هذه هي السرايا والغزوات بعد الأحزاب ، وبني قريظة ، لم يجر في واحدة منها قتال مرير ، وإنما وقعت فيما وقعت مصادمة خفيفة ، فليست هذه البعوث إلا دوريات استطلاعية ، أو تحركات تأديبية ، لإرهاب الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد . ويظهر بعد التأمل في الظروف أن مجرى الأيام كان قد أخذ في التطور بعد غزوة الأحزاب ، وأن أعداء الإسلام كانت معنوياتهم في انهيار متواصل ، ولم يكن بقي لهم أمل في نجاح كسر الدعوة الإسلامية وخضد شوكتها ، إلا أن هذا التطور ظهر جليا بصلح الحديبية ، فلم تكن الهدنة إلا الاعتراف بقوة الإسلام ، والتسجيل على بقائها في ربوع الجزيرة العربية .

--> ( 1 ) هذا هو الذي كان قد أغار على سرح المدينة قبل بدر في غزوة صفوان ثم أسلم وقتل شهيدا يوم فتح مكة . ( 2 ) زاد المعاد 2 / 122 . ( 3 ) صحيح البخاري 2 / 602 .